يكتب الباحث عمرو عدلي تحليلاً معمقًا حول توسع قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر، موضحًا كيف تحوّل هذا النمو السريع إلى جزء أساسي من بنية اقتصادية تعتمد على الائتمان بدلًا من السيولة النقدية، في ظل توسع شركات التمويل غير المصرفي وتزايد اعتماد الأسر على الشراء بالتقسيط لتغطية احتياجاتها اليومية.
وينقل النص سياقًا اقتصاديًا واجتماعيًا يعكس ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأفراد، مع الإشارة إلى سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للفرد وارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات نتيجة الضغوط التضخمية وتذبذب الدخل.
التمويل الاستهلاكي بين التعريف القانوني والواقع الاجتماعي
يعرّف القانون رقم 18 لسنة 2020 التمويل الاستهلاكي بأنه أي نشاط يهدف إلى شراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية عبر وسائل سداد مؤجلة أو أنظمة تقسيط تمتد لفترات لا تقل عن ستة أشهر. ويكشف عدلي أن هذا التعريف الصارم يخفي وراءه واقعًا أبسط وأكثر انتشارًا، حيث يلجأ المستهلك إلى شراء احتياجاته دون امتلاك سيولة فورية، مع الاعتماد على جهات تمويل طرف ثالث.
ويعمل هذا النظام عبر شبكة من الفاعلين تشمل المستهلكين، وشركات التجزئة، والأهم شركات التمويل غير المصرفي التي تمثل العمود الفقري لهذا السوق، دون أن تكون مؤسسات إيداع مصرفية، ما يجعلها تعتمد على رؤوس أموالها أو الاقتراض من البنوك لتمويل نشاطها.
توسع سريع يهدد التوازن المالي
ينطلق عدلي في تحليله من أن قطاع التمويل الاستهلاكي، رغم حداثته التنظيمية منذ عام 2020، شهد توسعًا هائلًا خلال سنوات قليلة، حيث ارتفع عدد الشركات المرخصة إلى عشرات المؤسسات، وارتفع عدد العملاء إلى ملايين المستفيدين، وقفزت أحجام التمويل من مليارات محدودة إلى عشرات المليارات من الجنيهات.
ويبرز النص أن هذا النمو السريع دفع القطاع ليصبح مسؤولًا عن ربع حجم التمويل غير المصرفي في مصر بحلول نهاية 2025، وهو ما يعكس توسعًا يفوق قدرة الرقابة التنظيمية، ويثير مخاوف من تحول التمويل الاستهلاكي من أداة لتحفيز الطلب إلى مصدر محتمل لمخاطر نظامية.
ويشير التحليل إلى أن هذا التوسع لم يأتِ من فراغ، بل مدعوم بقرارات حكومية رفعت أسعار الشراء من المزارعين والقطاعات الإنتاجية، ما عزز القدرة الشرائية على الورق، لكنه زاد الاعتماد على الائتمان في الواقع.
المخاطر البنيوية والاعتماد على البنوك
ينتقل عدلي إلى تحليل أعمق يربط بين نمو التمويل الاستهلاكي والبنية المالية العامة، موضحًا أن شركات التمويل غير المصرفي، رغم استقلالها عن الودائع البنكية، بدأت تعتمد بشكل متزايد على الاقتراض من البنوك التجارية لتمويل توسعها.
ويحذر التحليل من أن هذا الترابط يعيد إدخال المخاطر الائتمانية إلى الجهاز المصرفي بشكل غير مباشر، بعدما كان الهدف الأساسي من الفصل بين التمويل المصرفي وغير المصرفي هو حماية البنوك من هذه الانكشافات.
ويستحضر عدلي تجربة “توظيف الأموال” في أواخر الثمانينيات باعتبارها درسًا تاريخيًا في كيفية انتقال المخاطر من كيانات غير منظمة إلى النظام المالي الرسمي، عندما تفشل أدوات الرقابة في مواكبة النمو السريع.
استهلاك بالديون وحدود النمو
يرى التحليل أن توسع التمويل الاستهلاكي يعزز الطلب الداخلي، لكنه في اقتصاد يعتمد على الاستيراد مثل مصر يؤدي إلى زيادة الضغط على الميزان التجاري وارتفاع الطلب على العملة الأجنبية. كما يطرح تساؤلات حول قدرة الأسر الجديدة على خدمة ديونها في ظل التضخم المستمر وتقلب سعر الصرف.
ويشير إلى أن عدد العملاء ارتفع بنسبة ضخمة خلال سنوات قليلة، ما يعني توسع قاعدة الاستدانة في مجتمع يعاني أصلًا من ضغوط معيشية متزايدة، وهو ما يضع علامات استفهام حول استدامة هذا النمو.
ويخلص عدلي إلى أن النظام المالي المصري، رغم محاولات التوسع في أدوات غير مصرفية، يظل خاضعًا لهيمنة البنوك التجارية التي توجه المدخرات نحو الدين الحكومي والاستثمارات الكبرى، ما يحد من قدرة التمويل الاستهلاكي على التحول إلى حل هيكلي مستدام.
ويختتم التحليل بالإشارة إلى أن البنية السياسية والاقتصادية لا يمكن تجاوزها بسهولة، تمامًا كما لا يستطيع الإنسان الهروب من الشمس في الحقول، في إشارة إلى أن توسع الائتمان الاستهلاكي سيظل مرتبطًا بقيود الاقتصاد الكلي وهيكل النظام المصرفي.
https://manassa.news/en/stories/32285

